الأحد، 28 مايو 2023

ما مدي صحة صحة نسبة كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري // ثم منظومة الإعانة في بيان عقيدة الإمام الأشعري في كتابه الإبانة +

ومن موقع الاسلام س وج
صحة نسبة كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري

تاريخ النشر : 26-01-2011
 السؤال
بعض الأشاعرة يزعم أن الإبانة لم يكتبها أبو الحسن الأشعري، فماذا تقول في ذلك ؟ وجزاكم الله خيرا!
الجواب الحمد لله.
أولا :
كتاب "الإبانة عن أصول الديانة " ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت : 324هـ ) بعد رجوعه عن مذهب المعتزلة ، بل ألفه في آخر أمره ، حتى ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا الكتاب هو آخر مؤلفات الإمام الأشعري .
وقد تضمن هذا الكتاب كلاما مهما في إثبات الصفات الخبرية ، وفي إثبات أفعال الله تعالى الاختيارية ، المتعلقة بمشيئته وإرادته سبحانه ، من استواء الله على عرشه ، ونزوله إلى السماء الدنيا ، ونحو ذلك مما جاءت النصوص بإثباته .
قال رحمه الله في مقدمة كتابه :
" وجملة قولنا : أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وبما جاءوا به من عند الله ، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لا نرد من ذلك شيئا ...
وأن الله تعالى مستوٍ على عرشه كما قال : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [طه/5] .
وأنه له وجها ، كما قال : ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [الرحمن/27] .
وأن له يدين بلا كيف ، كما قال سبحانه : (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [ص/75] ، وكما قال : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [المائدة/64] .
وأن له سبحانه عينين ، بلا كيف ، كما قال سبحانه : ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) [القمر/14] ...
ثم قال رحمه الله ، بعد كلام :
" ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل ، من النزول إلى سماء الدنيا ، وأن الرب عز وجل يقول : ( هل من سائل ، هل من مستغفر ) ، وسائر ما نقلوه وأثبتوه ، خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل .
ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل ، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين ، وما كان في معناه ، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا، ولا نقول على الله مالا نعلم .
ونقول : إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة ، كما قال سبحانه : ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) [الفجر/22] .
وأن الله يقرب من عباده كيف شاء ، بلا كيف ، كما قال تعالى : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ق/16] ، وكما قال : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) [النجم/8-9] " .
انتهى من " الإبانة عن أصول الديانة " (18-22) ط السلفية .
ثم عاد رحمه الله إلى تفصيل هذه الجملة في فصول لاحقة من كتابه .
ثانيا :
ما قرره الأشعري في الإبانة من إثبات الصفات الخبرية ، والأفعال الاختيارية ، وإثبات علو الله تعالى عرشه ، ونحو ذلك من المسائل المعروفة فيه ، مخالف لما استقر عليه أصحابه من بعده من نفي الصفات الخبرية ، من الوجه واليدين ونحو ذلك ، وهكذا الأفعال الاختيارية : الاستواء ، والنزول ، والضحك ، والعجب .. ، ونحو ذلك مما وافقوا المعتزلة وغيرهم من النفاة عليه ، وتأولوا النصوص الواردة به .
ولأجل ذلك التفاوت بين ما أثبته الإمام في الإبانة ، وما استقر عليه أتباعه من بعده ، لا سيما المتأخرين منهم ، لجأ بعضهم إلى التشكيك في نسبة الكتاب للإمام أبي الحسن ، حتى لا يظهر ذلك التناقض بين المذهب الشخصي لأبي الحسن ، والذي قرره في كتابه ، والمذهب الاصطلاحي ، أعني ما استقر عليه أصحابه من بعده .
غير أن الأدلة على إثبات هذا الكتاب كثيرة جدا ؛ ففضلا عن النسخ الخطية المختلفة للكتاب ، والمنتشرة في عديد من المكتبات العالمية ، والتي تجمع على نسبة الكتاب لأبي الحسن ، نجد عددا من العلماء السابقين قد قرروا هذه النسبة للإمام ، ونقلوا عنه كلامه في هذا الكتاب .
ولأننا نعلم أن المخالف من الأشعرية سوف يتعصب على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وتلميذيه : ابن القيم ، والذهبي ، ونحوهم من علماء السلف ، ولن يقبل نصوصهم المثبتة لنسبة هذا الكتاب للأشعري ، فلن نشتغل بنقل شيء من هذه النصوص هنا .
لكن حسبنا أن ننقل هنا نصين عن إمامين من أئمة الأشاعرة ، العارفين بمذهب أبي الحسن ومصنفاته :
الأول : الإمام البيهقي ، أبو بكر أحمد بن الحسين .
قال رحمه الله في كتابه "الاعتقاد" (107) : " وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا نَتْلُوهُ مِنَ الْقُرْآنِ بِأَلْسِنَتِنَا وَنَسْمَعُهُ بِآذَانِنَا وَنَكْتُبُهُ فِي مَصَاحِفِنَا يُسَمَّى كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّمَ بِهِ عِبَادَهُ بِأَنْ أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَبِمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ " انتهى .
ثم قال رحمه الله بعدما نقل نص كلام الإمام الشافعي :
" وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: حَدِّثُونَا أَتَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؟ قِيلَ لَهُ: نَقُولُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 22] ، فَالْقُرْآنُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: 49] ، وَهُوَ مَتْلُوٌّ بِالْأَلسِنَةِ، قَالَ اللَّهُ: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: 16] ، فَالْقُرْآنُ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا فِي الْحَقِيقَةِ، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا فِي الْحَقِيقَةِ، مَتْلُوٌّ بِأَلْسِنَتِنَا فِي الْحَقِيقَةِ مَسْمُوعٌ لَنَا فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: 6] " .
وهذا الكلام موجود بنصه في كتاب "الإبانة" ص (53) ط السلفية ، وص (100) ط د. فوقية حسين .
الثاني : الإمام أبو القاسم على بن الحسن ابن عساكر (ت:571هـ) وهو أعظم مؤرخيه ، وأشد الناس ذبا عنه ، وانتصارا له .
قال رحمه الله : "وتصانيفه بَين أهل الْعلم مَشْهُورَة مَعْرُوفَة وبالإجادة والإصابة للتحقيق عِنْد الْمُحَقِّقين مَوْصُوفَة وَمن وقف على كِتَابه الْمُسَمّى بالإبانة عرف مَوْضِعه من الْعلم والديانة " انتهى من "تبيين كذب المفتري" (28) .
وقال أيضا : " فَإِذا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا ذكر عَنهُ من حسن الاعتقاد ، مستصوب الْمَذْهَب عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْعلمِ والانتقاد ، يُوَافقهُ فِي أَكثر مَا يذهب إِلَيْهِ أكَابِر الْعباد ، وَلَا يقْدَح فِي معتقده غير أهل الْجَهْل والعنَاد : فَلَا بُد أَن نحكي عَنهُ معتقده على وَجهه بالأمانة ، ونجتنب أَن نزيد فِيهِ أَو ننقص مِنْهُ تركا للخيانة ، ليعلم حَقِيقَة حَاله فِي صِحَة عقيدته فِي أصُول الدّيانَة .
فاسمع مَا ذكره فِي أول كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ بالإبانة ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَمد لِلَّه الْأَحَد الْوَاحِد الْعَزِيز الْمَاجِد المتفرد بِالتَّوْحِيدِ المتمجد بالتمجيد الَّذِي لَا تبلغه صِفَات العبيد وَلَيْسَ لَهُ مثل وَلَا نديد وَهُوَ المبدىء المعيد جلّ عَن اتِّخَاذ الصاحبة والأبْنَاء وتقدَّس عَن ملامسة النِّسَاء فَلَيْسَتْ لَهُ عزة تنَال وَلَا حدّ تضرب لَهُ فِيهِ الْأَمْثَال لم يزل بصفاته أَولا قَدِيرًا .. 
ثم نقل منه نصا مطولا هو أول كتاب الإبانة ، ومنه النص الذي نقلناه في أول حديثنا عن أبي الحسن ، والكلام بطوله في كتاب الإبانة .
ينظر : "تبيين كذب المفتري " ص (152) وما بعدها ، ويقارن أول كتاب الإبانة ، لأبي الحسن .
وقال ابن عساكر رحمه الله أيضا :
" وَلم يزل كتاب الْإِبَانَة مستصوبا عِنْد أهل الدّيانَة وَسمعت الشَّيْخ أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بشار البوشنجي الْمَعْرُوف بالخر كردِي الْفَقِيه الزَّاهِد يَحْكِي عَن بعض شُيُوخه أَن الإِمَام أَبَا عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَحْمَدَ الصَّابُونِي النَّيْسَابُورِي قَالَ مَا كَانَ يخرج إِلَى مجْلِس درسه إِلَّا وَبِيَدِهِ كتاب الْإِبَانَة لأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَيظْهر الْإِعْجَاب بِهِ وَيَقُول مَاذَا الَّذِي يُنكر على من هَذَا الْكتاب شرح مذْهبه .
فَهَذَا قَول الإِمَام أَبِي عُثْمَانَ وَهُوَ من أَعْيَان أهل الْأَثر بخراسان . " انتهى من "تبيين كذب المفتري " (389) . وينظر أيضا ص : (171، 388) من نفس الكتاب .
وقد توسع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود حفظه الله في دراسة هذه المسألة في كتابه المهم : "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" (1/348) وما بعدها ، فيراجع .
والله أعلم .

=========

وعن الالوكة ...منظومة الإعانة في بيان عقيدة الإمام الأشعري في كتابه الإبانة 

بسمِ الإله نبتدي المقالَ

نظمًا بحمدِ ربنا تعالى{عن الالوكة بترتيب آخر}

به عقيدة الإمام الأشعرِي

تبدو جليةً لأهل النظرِ

"بسم الإله نبتدي": أي: بسم اللهِ الرحمن الرحيم، إلهِنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا لا إله إلا هو الحي القيوم، وبالصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين نبتدئ شرح هذا "المقال" الذي نظمته "نظمًا" ليسهل حفظه ومراجعته، تقريبًا وتيسيرًا، وهو الحلقة الأولى من كتابي: "شرح منظومة الإعانة في بيان عقيدة الإمام الأشعري في كتابه الإبانة"، وأصله محاضرة كنت ألقيتها في مقر جمعية ابن عربي للتربية والتنمية بمدينة فاس، وقد جاء "بحمد الله تعالى" لتتضح: "به عقيدة الإمام الأشعري"، وهو الإمام عليُّ بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبدالله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري.

وأشعر: اسم قبيلة، سُمِّيت بذلك نسبة لواحد من أولاد سبأ.

والأشعري وُلِد بالبصرة سنة 260، وعاش ببغداد، وتوفي بها سنة 324 هجرية.

والأشعرية أو الأشاعرة: هم فرقة تنتسب إلى عقيدةِ الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، قال الشهرستاني: "الأشعرية أصحابُ أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري"؛ الملل والنِّحل للشهرستاني 1-94.

وذلك حتى "تبدو " عقيدته "جلية" واضحة لا لَبْس فيها "لأهل النظر" لعامةِ الناس، وطلبة العلم والباحثين، وأهل العلم كافة، واللهُ المستعان وعليه التُّكلان.

فالخُلف بين العلماءِ قد وقعْ

في نهجِه، فانتشرت بذا البدعْ

فقائلٌ بأنَّه كُلاَّبِي

مع المُحاسِبيّ والأصحابِ

"فالخلف" أي: الخلاف، يقال له: خُلْف وخِلاف، وكلمة خلاف واختلاف لا فرق بينهما عند التحقيق اللغوي؛ فكلاهما يدلانِ على الشيء نفسه، وإنما الاختلاف: افتعال من الخلاف، والقصد أن الخلاف في عقيدة الإمام الأشعري "بين العلماء قد وقع" قديمًا ولا يزال قائمًا إلى يومنا هذا، وصورة الخلاف هي: هل بقي الإمام الأشعري على عقيدة ابنِ كُلاَّب التي تسمَّى اليوم: عقيدة الأشاعرة، أم تحول عنها إلى عقيدة السلف أهل الحديث؟ وهذا الخلاف وقَع "في نهجه"؛ أي: في عقيدته، فانتشرت بسبب "ذا" أي بسبب هذا "البدع" والضلالات، وأقوال أهل الكلام في الصفات الإلهية والأسماء ومسائل الإيمان وغيرها زعمًا منهم أن هذا هو معتقد أبي الحَسَن الأشعري.

"فقائل" قال "بأنه كلابي"؛ أي من أتباع أبي محمد عبدالله بن سعيد بن كلاَّبٍ القطان، من المتكلمين، يعتبره الأشاعرة من علماء المذهب، قال عنه الجُوَيني في الإرشاد ص 119: "من أصحابنا"، توفِّي سنة 240 هجرية، وهي فِرقة من الفِرَق العقدية "مع المحاسِبي" وهو الحارث المحاسبي، كان يقول بقول ابن كُلاَّب في العقيدة، "والأصحاب" أي: وأصحابه من بعده، وهم جماهيرُ الأشاعرة في العالم.

وقائلٌ بأنه عنه رجَعْ

إذ الإبانةُ أتت بعد اللُّمَعْ

وما روَوْا عن الإمامِ الأشعرِي

يحتاجُ للتثبُّت المقرَّرِ

"وقائل بأنه" أي بأن الإمامَ أبا الحسنِ الأشعريَّ "عنه" أي: عن المذهبِ الكُلاَّبي قد "رجع"؛ "إذ" تصنيفُه لكتاب "الإبانة" التي "أتت بعد" كتابه "اللمع في الرد على أهل الزَّيغ والبدع": دليلٌ على تراجُعِه عن المذهب الكُلاَّبي؛ لِما في كتابه الإبانة من تصريحات واضحة باقتفاء منهج السَّلفِ أهل السنة والجماعة، وتنصيصه فيه على اتباعِ مذهب أحمدَ بن حنبل في الاعتقاد، وتنصيصه أيضًا على تفاصيل عقيدتِه كما هي في مذهب أهل السُّنة، ورده على الكلاَّبية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في معرِضِ الرد على من زعم بقاءه على عقيدةِ ابن كُلاَّب.

إذًا، فما رووا عن الإمام أبي الحسن الأشعري من أن عقيدته هي عقيدة ابن كلاب، أو أنها عقيدةُ السلف: يحتاجُ في حقيقة الأمر إلى البحث والتَّثبُّت من جهتين:

أولاً: من جهة إثبات نسبة أقواله في كتبه إليه، ودلالتها الصريحة على رجوعِه إلى مذهب السلف، وتخلِّيه عن مذهب ابنِ كُلاَّب.

ثانيًا: من جهة نسبة كتبه إليه جملة وتفصيلاً، لا سيما الكتب التي قيل: إنه نصَّ فيها على رجوعه إلى عقيدة السلف، وهي كتابه: الإبانة عن أصول الديانة، وكتابه: رسالة إلى أهل الثغر، وكتابه: مقالات الإسلاميين، وغيرها، وهذا "التثبت هو "المقرر" في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6]، فوجَب التبيُّن في حقيقة نبأِ عقيدة الإمام الأشعري؛ إعمالاً لأمر الله في كتابه، وحتى لا يتقولَ متقول على إمام من أئمة المسلمين، وينسُبَ إليه ما تبرَّأ منه.

فلزِم التدقيقُ والتحقيقُ

في نهجِه والبحثُ والتوثيقُ

لكي يُرَدَّ الظنُّ بالحقائقِ

ويظهَرَ الحقُّ لكل صادقِ

"فلزِم" لأجل هذا الخلاف التاريخي المعقَّد "التدقيقُ والتحقيق في" عقيدة الإمام الأشعري و"نهجه والبحث" في كتب الأئمة المحقِّقين والمؤرِّخين والعلماء والباحثين، واعتماد منهج "التوثيق" للمعلومات المحصلة لأجل التبيُّن في حقيقة معتقد هذا الإمام، وما استقر عليه أمرُه في علم الاعتقادِ؛ فإن الحقَّ لا يحتجب بحال، فما قال به كبار أهل العلم، والأئمَّة الموثوقون، والمؤرِّخون المعتمدون، وأئمة الاعتقاد من السَّلف والخَلَف: حجَّةٌ قائمة تُعتمَد في هذا النزاع لمعرفة الحق؛ فهذا البحث العلمي من الأمور المهمة "لكي يُرَد الظنُّ بالحقائق" العلمية، وشهادات الأئمة، و"يظهر" بذلك "الحقُّ لكل صادق" في طَلبه، متوخٍّ للصواب والإنصاف، حَسَن النية في التبيُّن والتثبُّت.

باب في ذكر أسماء الكتب التي رجَع فيها

الإمام الأشعري لعقيدة السلف

ففي كتابه الإبانة اتَّضَحْ

مقالُه عن العقائدِ وصحْ

وعنه سائرُ الحفاظ نقلُوا

وأسندوا مقالَه وأصَّلُوا

فقد جلَّى كتابُه الإبانهْ

منهجَه الذي ارتضى ديانَهْ

"ففي كتابه الإبانة" في أصول الديانة "اتضح" منهجُه، و"مقالُه عن العقائد وصح" نسبة الكتاب إليه ومقالاته فيه، كما سيأتي، و"عنه" أي: عن الإمام الأشعريِّ "سائر" العلماء "الحفَّاظ" من أصحابه وغيرهم "نقلوا" كتابَه و"مقالَه"، "وأصَّلوا" على ذلك أصولَ الاعتقاد، وصنَّفوا في ذلك مصنفاتٍ وكتبًا، وفي كتابه: "الإبانة" من النُّقول الواضحة البينة الصريحة، سواءٌ منها الإجمالية أو التفصيلية، ما لا يَدَعُ مجالاً للشك بأن أبا الحَسَن الأشعري رحمه الله، قد ذكَر فيه معتقدَه الذي استقرَّ عليه أمرُه؛ "فقد جلَّى" أي: وضَّح وأظهر "كتابُه الإبانة منهجَه" في الاعتقاد "الذي ارتضاه" بقناعته "ديانة" به يتعبَّدُ ربَّه، وعليه يلقى الله.

وفي المقالاتِ وفي الرِّسالهْ

من قبْلِه جلاَّه لا محالهْ

وأيضًا في كتابه: "المقالات"، وعنوانه: "مقالات الإسلاميين"، وفي كتابه: "الرسالة"، وعنوانه: "رسالة إلى أهل الثغر"، وهما كتابانِ ألَّفهما "مِن قبلِه"؛ أي: قبل كتاب الإبانة، وقد "جلاه" أي: جلَّى أيضًا في هذين الكتابينِ جملةً من عقيدته التي رجَع إليها آخرَ حياته، و"لا محالة" في أن هذين الكتابينِ قد اشتملا على تصريحاتٍ هامة، لا سيما في الردِّ على الكُلاَّبية، ولكن مع ذلك أبقى على تأويل صِفتَيِ الرِّضا والغضب في معرِضِ الكلام عن الإجماع التاسع في رسالته ص 231؛ ولهذا يبقى كتاب الإبانة أصرَحَ وأوضحَ وأشملَ في بيان معتقداته.

وفيه أيَّد طريقةَ السَّلفْ

أهل الحديثِ لا طريقة الخَلَفْ

كنَهْجِ أحمدَ ونَهْجِ مالكِ

تبصرةً منه لكلِّ سالكِ

"وفيه" أي: في كتابه: الإبانة عن أصول الديانة "أيَّد طريقةَ السَّلف" في إثبات الأسماء والصفات، ومسائل متفرِّقة في العقيدة، بيانها في مظانِّها، ونصَّ على أن السلف هم "أهل" السُّنة و"الحديث"، كما نصَّ على ذلك أيضًا في مقالات الإسلاميين، ورسالة إلى أهل الثغر، ورد على المعتزلةِ، والجهميَّة، والخوارج، والكُلاَّبية، واعتبر طريقةَ ابن كُلاَّب مخالفةً لطريقة أهل السنة، كما سيأتي بيانه؛ ولذلك قلتُ: "لا طريقة الخلف"، ومن طريقة الخَلَف طريقةُ ابن كُلاَّب، والمعتزلة، والجهمية، والخوارج، وإن كانت الكُلاَّبية أقرَبَ إلى أهل السنَّة من غيرها من الفِرَق، ولْيُعلَمْ أن إقرار الإمام أبا الحسن الأشعري بتصريحه بالرجوع ِإلى مذهب السَّلف وتعيينِه لمذهبِ الإمام أحمدَ وأهلِ الحديث - يكون قد تجاوز مذهبَ الكُلاَّبية والأشاعرة وغيرهم من الفِرَق، وإن بقي في كلامه شوب من كلامهم في الجملة، فإن كثيرًا من أئمة المسلمين وقَعوا في التأويل والأخذِ ببعض أقوال الفِرَق في مسائل عقَدية، ولكن مع سلامةِ أصولِهم في اتباع السلف، والاقتداء بنَهْج الصحابة، فلم يكن خطَؤُهم في تلك المسائل موجبًا لتصنيفهم مع الفِرَق المخالفة لمذهبِ السلفِ أهل الحديث، ومن هؤلاء: الإمام النووي وابن حجر وغيرهم، وهذا معروفٌ مشهور بين العلماء؛ ولذلك قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية عن أبي الحسنِ الأشعريِّ: "فلما كان في كلامه شَوْبٌ من هذا، وشوب من هذا، صار يقولُ من يقول: إن فيه نوعًا من التجهُّم، وأما من قال: إن قوله قولُ جَهْم، فقد قال الباطل، ومن قال: إنه ليس فيه شيءٌ من قول جَهْم، فقد قال الباطل، والله يحبُّ الكلام بعِلْم وعَدْل، وإعطاء كلِّ ذي حق حقَّه، وتنزيل الناس منازلهم"؛ مجموع الفتاوى [12/205].

"كنهج أحمد ونهج مالك"، فإنهما نهجٌ واحد، فما يقول به أحمدُ بن حنبل رحمه الله يقولُ به مالكُ بن أنس رحمه الله؛ فكلاهما سقيا من مَعِين واحد هو معينُ السلف الصالح، من التابعين، ومَن قَبْلَهم من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يُعرَف بين هذين الإمامين خلافٌ في مسائل الاعتقاد؛ فكلاهما يُثبِتون لله ما أثبته لنفسِه من الصفاتِ من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تمثيل ولا تجسيم ولا تشبيه، ويُمرُّون الصفاتِ كما جاءت بلا كيف، فإذا نصَّ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ في كتابه على اتِّباعِ الإمام أحمد، فلأنه عاصَره في زمانه، وهو إمام السُّنَّة في عصره، ولو كان عاصَرَ الإمام مالكًا، لقال باتباعِه أيضًا، فلما كان الإمامُ أحمدُ على عقيدة الإمام مالك رحمه الله، عرَفْنا أن الإمام الأشعريَّ على عقيدةِ الإمامينِ معًا، وإنما جعلنا الإمامَ مالكًا قرينَ الإمام أحمد في العقيدة إشارةً إلى الأشاعرة من المالكية الذين تركوا عقيدةَ الإمام مالك، وهو إمام السُّنَّة المبجَّل، وإمام دار الهجرة، والأقدم رسوخًا في العِلم والإمامة والدِّين، والأقرب إلى عهدِ النبوة والرِّسالة، وأخَذوا بعقيدةِ أهل الكلام مما اختلف فيه على هذا الإمام الجليل أبي الحسنِ الأشعريِّ، وهو نفسُه رجَع إلى عقيدة مالكٍ وأحمد قال في إبانته: "بابٌ في إبانة قول أهل الحق والسُّنَّة: فإن قال لنا قائلٌ: قد أنكرتم قولَ المعتزِلة والقَدَرية والجهمية والحَرُورية والرافضة والمُرجِئة، فعرِّفونا قولَكم الذي به تقولونَ، ودِيانتَكم التي بها تَدِينون، قيل له: قولُنا الذي نقول به وديانتُنا التي نَدِينُ بها: التمسُّكُ بكتاب ربنا عز وجل، وسنَّةِ نبينا عليه السلام، وما رُوِي عن الصحابةِ والتابعين، وأئمَّةِ الحديث، ونحن بذلك معتصِمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمدُ بن محمد بن حنبل - نضَّر الله وجهَه ورفع درجته وأجزل مثوبتَه - قائلون، ولما خالف قولَه مخالِفون؛ لأنه الإمامُ الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان اللهُ به الحقَّ، ورفع به الضلالَ، وأوضح به المنهاجَ، وقمَع به بِدَع المبتدعين، وزَيْغ الزائغين، وشكَّ الشاكِّين، فرحمة الله عليه من إمامٍ مقدَّمٍ، وجليلٍ معظَّمٍ مفخَّمٍ"، فهل بعد توضيحِه هذا من توضيح.

فما من عاقل يقرأُ كلامه هذا إلا ويتأكدُ له من صريح بيانِه أن الإمامَ الأشعريَّ على معتقد أهل السنَّة والجماعة، أهل الحديثِ، عقيدة السلف، حقًّا لا زعمًا؛ فإن كلامه هذا تأصيلٌ لمنهجه في العقيدة، وما سيأتي لاحقًا في بيان تفاصيل عقيدته كما بيَّنها يؤكِّدُ ذلك، وإنما ذكر عقيدتَه على هذا النحو "تبصرة منه لكل سالك"، فرحِمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيحَ الجِنان.

ولذلك قال الإمام محمد بن أحمد المعروف بابن خويز منداد المالكي من علماء القرن الرابع: "أهلُ الأهواء عند مالٍك وسائر أصحابنا هم أهلُ الكلام؛ فكل متكلِّمٍ، فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريًّا كان أم غيرَ أشعريٍّ"، ذكَره ابن عبدالبر في كتابه: جامع بيان العلم وفضله (2 - 117).

باب في الردِّ على من قال

بأن كتاب الإبانة مصنَّف قبل كتاب اللُّمع

ولا تقُلْ بأنه قبل "اللمعْ"

فابنُ عساكر الإمامُ قد منعْ

والأشعري لم يقُلْه في العمدْ

وفيه ذِكر "اللمع" اسمًا قد وردْ

"ولا تقُلْ بأنه" أي: كتاب الإبانة قد ألَّفه أبو الحَسَن الأشعري "قبل" تصنيفه لكتاب "اللمع" في الردِّ على أهل الزَّيغ والبدع"، فهذه المقالةُ يقول بها بعضُ المستشرقين، ونقَلها عنهم بعضُ مَن قدَّم لكتاب اللمع تقليدًا بغير تحقيق، منهم: "حموده غرابة"، والزعم بأن كتاب اللمع متأخِّر عن كتاب الإبانة مردودٌ من وجوه، أهمها كما نص "ابنُ عساكر الإمام" في كتابه: "تبيين كذِبِ المفتري" ص 128، و"قد منع" فيه أن يكون اللمع متقدمًا على الإبانة: أن الإمام الأشعري نفسه نصَّ في كتاب "العمد" على كتبه التي صنَّفها، وذكر منها اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، واللمع الكبير والصغير "لم يقُلْه في العمد"؛ "أي ولم يذكر كتاب الإبانة "وفيه ذكر اللمع اسمًا قد ورد" أي: وفي كتاب العد ورد اسم كتاب اللمع، ولم يرِدِ اسم الإبانة، فدل على أنه متأخِّر حتى على كتاب العمد، وقد صنَّفه سنة 320 هـ، كما نص ابن عساكر في كتابه: "تبيين كذب المفتري" على أن أول مصنَّف ألفه بعد تحوله عن الاعتزال هو كتاب اللمع، ثالثًا: في كتابه الإبانة قرَّر انتماءَه لمذهب السلف، ونفيَه للتأويل، وتقديمه للأدلة النقلية والعقلية على التأويل، ما يعني أنها مرحلةٌ تالية لِما بدأه في كتاب اللمع من إثبات بعض الصفات بعد تحوُّله عن المذهب المعتزلي، فتبيَّن من هذا أن كتاب اللمع في الردِّ على أهل الزيغ والبدع كتابُ التحوُّل عن مذهب الاعتزال، وفيه قرَّر مذهبَ ابن كُلاَّب، أما كتاب الإبانة فهو كتاب العقيدةِ التي استقر عليها.

باب في ثبوتِ رجوع الأشعري

عن عقيدة ابن كُلاَّب إلى عقيدة السلف

وصحة نسبة كتاب الإبانة إليه والرد على شبه تحريفه

واعلم بأن العلماء وثَّقُوا

رجوعَه في كتْبهم وصدقُوا

وكلهم قد أثبتوا الإبانهْ

بكاملِ التوثيق والأمانهْ

كابنِ كثيرٍ والإمام الذَّهبِي

بل بعضهم من علماءِ المذهبِ

كابن خفيف عالم الأشاعرهْ

ونحوه الإسماعيلي آزرهْ

ثم الجويني للإبانة رجعْ

ثم البقلاني مثله اقتنعْ

كذلك التفتازاني اعترفَ

ومثله الإيجي قبلُ أنصفَ

ومن يقُلْ بأنهم قد بدَّلُوا

أو حرَّفوا فقولُه معلَّلُ

فجُلُّهم أئمةٌ أشاعرهْ

يردُّ قولَهم ذَوو المكابرهْ

"واعلم" أخي الباحث عن حقيقةِ عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعريِّ رحمه الله "بأن العُلَماءَ" المحقِّقين قد "وثَّقوا رجوعَه" إلى عقيدةِ أهل الحديث؛ كأحمد بن حنبل، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم، على وجه الإجمالِ، وأثبتوا أدلةَ رجوعه في نقولهم "في كتبهم" المعتمَدة، "وصدقوا" ذلك بدفاعِهم عن عقيدته، و"كلهم" أيضًا "قد أثبتوا" صحةَ نسبة كتاب "الإبانة" إليه رحمه الله، ووثَّقوا ذلك "بكامل التوثيق" والتحقيق، "والأمانة" العلمية، كما قال الإمام ابن عساكر الدمشقي رحمه الله في كتابه "تبيين كذب المفتري" ص 152: "فإذا كان أبو الحسَن كما ذُكر عنه من حُسِن الاعتقاد مستصوب المذهبِ عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد، يوافقُه في أكثرِ ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدَحُ في معتقده غيرُ أهل الجهل والعناد، فلا بدَّ من أن نحكيَ عنه معتقدَه على وجهه بالأمانة، ونتجنَّب أن نزيدَ فيه أو ننقص منه تركًا للخيانة، لتعلَمَ حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة..".

وكذلك أبو القاسم بن درباس الشافعي المتوفى سنة 604 هـ في رسالته: الذب عن أبي الحسن الأشعري، ذكَر فيه شهادةَ ثمانية من الأئمة الذين أثبتوا نسبةَ الكتاب إلى الإمام الأشعري، وهم: البيهقي - أبو العباس الطرقي - أبو عثمان الصابوني - أبو علي الفارسي المقري - نصر المقدسي - ابن عساكر - أبو المعالي الشافعي - أبو محمد البَغْدادي".

"كابن كثير"؛ حيث قال في طبقات الشافعية 1-210: "ذكَروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال: أولها: حال الاعتزال التي رجَع عنها لا محالة.

الحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية؛ كالوجه واليدين والقَدَم والساق، ونحو ذلك.

الحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف، ولا تشبيه، جريًا على منوالِ السلف، وهي طريقتُه في (الإبانة) التي صنَّفها آخرًا"، "والإمام الذهبي" الذي قال مقالة ذهبية في شهادته؛ حيث قال: قال في كتابه - العلو للعلي الغفار - 278: "كان أبو الحسن أولاً معتزِليًّا، أخَذ عن أبي علي الجبائي، ثم نابَذه وردَّ عليه، وصار متكلمًا للسنَّة، ووافَق أئمة الحديث، فلو انتهى أصحابُنا المتكلِّمون إلى مقالةِ أبي الحسن ولزِموها، لَأحسَنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حُكَماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا قوة إلا بالله"، وقال أيضًا في كتاب العلو للعلي الغفار: وكتابُ الإبانةِ من أشهر تصانيف أبي الحسَنِ الأشعري، شهَره الحافظ ابن عساكر، واعتمد عليه، ونسَخه بخطِّه الإمام محيي الدين النواوي، وذكر الذهبي عن الحافظ أبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي أنه قال: ونقل عن أبي علي الدقَّاق أنه سمِع زاهرَ بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعريُّ رحمه الله ورأسُه في حجري، فكان يقول شيئًا في حال نَزْعِه: لعَن اللهُ المعتزِلة، موَّهوا ومخرَقوا".

"بل بعضهم من علماء المذهب": "كابن خفيف عالِم الأشاعرة، وهو الإمام أبو عبدالله بن خفيف المتوفى سنة 371 هـ"، ونحوه الإمام أبو بَكْرٍ الإسماعيلي المتوفى سنة 371 هـ آزَرَ ابن خفيفٍ في عقيدته التي استقاها من كتابِ الإبانة عن أصول الديانة للإمام الأشعري، وقد نصَّ على ذلك الإمامُ ابن عساكر رحمه الله في تبيين كذب المفتري ص 90؛ حيث ذكَر رجوعَ بعض أئمَّة الأشاعرة إلى عقيدةِ أبي الحسَن التي قرَّرها في الإبانة، ومنهم:

1- أبوعبد الله بن خفيف المتوفى سنة 371 هـ، ولاحظ أنه من الطبقة الأولى من الأشاعرة، فليس بينه وبين وفاةِ الإمام الأشعري مدةٌ طويلة؛ فقد توفِّي الأشعري سنة 324 هـ، وهذا الإمام له كتاب: "اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات"، أثبَت فيه صفاتِ الله كلَّها؛ الصفات الذاتية: كاليد والعين وغير ذلك، كما أثبَت الصفاتِ الاختيارية، والأشاعرة الكُلاَّبية ينفُون ذلك، كما احتجَّ بالأخبار كلِّها في باب الأسماء والصِّفات.

2- أبو بكر الإسماعيلي: المتوفى أيضًا سنة 371 هـ، وهو أيضًا من الطبقةِ الأولى، وله كتاب: "اعتقاد أئمة الحديث"، وقال فيه بما قال الإمامُ الأشعريُّ في الإبانة.

"ثم الجويني للإبانة رجع" في آخرِ حياته؛ كما نصَّ عليه الإمام ابن القيم رحمه الله في اجتماع الجيوش الإسلامية؛ حيث قال ص 111: وأبو الحَسَن الأشعريُّ وأئمة أصحابه؛ كالحسن الطبري، وأبي عبدالله بن المجاهد، والقاضي أبي عبدالله بن المجاهد، والقاضي أبي بكر الباقلاَّني - متَّفِقون على إثباتِ الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن؛ كالاستواء، والوجه، واليدين، وعلى إبطالِ تأويلها، وليس للأشعري في ذلك قولانِ أصلاً، ولم يذكر أحدٌ عن الأشعري في ذلك قولين، ولكن لأتباعِه قولان في ذلك، ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان، أولها: في الإرشاد، ورجَع عن تأويلها في رسالته النظامية وحرَّمه، ونقل إجماعَ السلف على تحريمه، وأنه ليس بواجبٍ ولا جائزٍ"؛ انتهى كلامه.

ثم سلك مسلكه الإمام البقلاني مثله أيضًا، واقتنع بنَهْج الإبانة؛ فقد نص الإمامُ ابنُ كثير في طبقات الشافعية ص 1-210 عن رجوعِهما إلى مذهبِ الإمام الأشعري الذي يقولُ به في الإبانة.

"كذلك" سعد الدين "التفتازاني اعترف" في كتابه شرح المقاصد 4 - 174؛ حيث أثبَت أن الإمامَ الأشعري أثبت صفةَ الاستواء والوجه واليدين والعين: أنها صفات زائدة، ولم يؤوِّلْها كما يفعله الأشاعرة، "ومثله" الإمام "الإيجي قبلُ أنصف" الإمام أبا الحسَن الأشعري في كتابه: المواقف في علم الكلام ص 296، عقَد فصلاً بعنوان: صفات اختلف فيها، ثم ذكر فيه صفة الاستواء وقال: وذهب الشيخ "أي الأشعريُّ" في أحد قوليه إلى أنها زائدة"، ومعنى كلامه "زائدة"؛ أي: ثابتة بمعناها، لا تؤوَّل كما فعل الأشاعرة، وقال عن الوجه: أثبته الشيخُ في أحد قوليه، وأبو إسحاقَ الإسفراييني والسلف: صفة زائدة"، وعن صفة اليدين أيضًا ذكر إثبات الشيخ لهما، وأنه مُعتقَد السلف"، وهذا الذي ذكَره الإيجي من أعجب ما تقرؤُه للأشاعرة؛ حيث يُقرُّون بأن مذهب الإثباتِ هو مذهب السلف، ومع ذلك يخالفونه ويُخطِّئونه، وشعارهم في ذلك: مذهب السلف أسلَمُ، ومذهب الخلَفِ أعلَمُ وأحكم، وهذا يوقع كثيرًا من أتباعهم المعاصرين في تناقضٍ واضح؛ إذ يدَّعون في كتبِهم أن مذهبَ الأشاعرة هو مذهبُ السلف، والحقيقة أن علماءَ الأشاعرة لا يعترفون بمذهب السلف جملة وتفصيلاً في أبواب الاعتقاد، وليس بعد هذا التناقض تناقضٌ.

وكذلك الإمام البيهقي في كتابه: "الاعتقاد والهداية في سبيل الرشاد" يُثبِتُ صفات كثيرة في هذا الكتاب على غيرِ ما عليه مذهبُ الأشاعرة، وقال ما نصه: باب القول في القرآن صفحة 31: ذكَر الشافعي رحمه الله ما دل على أنَّ ما نتلوه من القرآنِ بألسنتنا، ونسمَعُه بآذاننا، ونكتُبُه في مصاحفنا يُسمَّى كلامَ الله عز وجل، وأن اللهَ عز وجل كلَّم به عباده، بأن أرسَل به رسولَه صلى الله عليه وسلم، وبمعناه ذكَره أيضًا عليُّ بنُ إسماعيل في كتابه: الإبانة".

"ومن يقل بأنهم قد بدَّلوا" في كلام الأشعري "أو حرفوا" كتاب الإبانة، ودسوا فيه على أبي الحسَن الأشعري ما ليس فيه، "فقوله معلَّل"، ومن هؤلاء من المتأخرين الشيخ زاهد الكوثري، فإنه يقولُ بأن كتاب الإبانة محرَّف، ولا توجد نسخة صحيحة يمكن الاعتماد عليها في إثبات عقيدة الإثبات عند الإمام الأشعري، وقول الكوثري مردودٌ بما سبق نقلُه من كلام الأئمة؛ كابن عساكر، والإمام الذهبي، وابن كثير، والإيجي، والتفتازاني، وابن خفيف، وأبي بكر الإسماعيلي، والبيهقي، وغيرهم كثيرٌ ممن أثبت صحةَ نسبة كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ونقلوا منه النصوص التي يزعُم الكوثري بأنها مدسوسة أو محرفة؛ فتواطؤُ هؤلاء الأئمة بالنقلِ لا سيما و"جُلُّهم" منهم "أئمة أشاعرة" في المذهب الأشعري: هو بمثابة الاستفاضة والتواتر الذي لا قِبَلَ لأحد بدفع صدق خبره، فلا "يرُدُّ قولَهم" والحال هذه إلا "ذوو المكابرة" من أهل العناد ومجانبة سبيل الرشاد، نسأل الله الهداية للعباد.

باب في وجوب إعمال الإنصاف والعدل

قبل نسبة الأشعري لعقيدة أهل الكلام

فإن تكُنْ للأشعري متَّبعَا

فاتْبعه فيما عنه قد تراجعَ

فليس من عدلٍ ولا من النظرْ

نسبتُه لكل ما عنه اعتذرْ

فما أتى في كتبه المعتمدهْ

فخُذْ به وبالنقول المسندهْ

"فإن تكن للأشعري متبعا" فاعلم بأنه قد رجع عن عقيدة ابنِ كُلاَّب، ورد عليها، وجعَلها مباينةً لعقيدة أهل السنة أهلِ الحديث، بما ذكَره في كتاب مقالات الإسلاميين؛ فقد نص على مخالفته لمذهب ابن كُلاَّب، وأنه يخالف مذهب أهل السنة الذي به يقولُ أبو الحسن الأشعري؛ حيث قال بالنص:

1- ذكر بابًا في مقالات الإسلاميين بعنوان: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة "فأورَد فيه عقيدةَ السلف أهل الحديث، ثم عقب عليها بقوله: "فهذه جملةُ ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه، وبكل ما ذكَرْنا من قولِهم نقول، وإليه نذهَبُ، وما توفيقُنا إلا بالله"؛ مقالات الإسلاميين 1-345.

ثم قال رادًّا على ابن كُلاَّب، موضحًا الفَرْق بينه وبين أهل السنَّة في المعتقد: فأما أصحابُ عبدالله بن سعيد القطان، فإنهم يقولون بأكثرِ ما ذكرناه عن أهل السنَّة"؛ مقالات الإسلاميين 1-353.

فلو كان بقِي على عقيدةِ ابن كُلاَّب، لَمَا أكَّد على انتسابه لعقيدة أهل السنة، ثم أكد على وجود فَرْق بين عقيدة الكُلاَّبية وعقيدة أهل السنَّة، فذلك لا يعني إلا أنه مُفارِق لعقيدة الكُلاَّبية فيما خالَفوا فيه السنَّة.

فإذا كان حاله كما ذكرنا، فاتبعه إذًا فيما قد تراجَع عنه من العقائد؛ فهذا مقتضى الاتِّباع إن كان ولا بد، فليس من عدلٍ في الحُكْم ولا من صحة النظر نسبتُه لِما عنه اعتذر ورجَع، كما سبق توضيحه، والحق أن ما أتى في كُتبه المعتمدة، فخُذْ به، وبالنقول المسنَدة التي نصَّ عليها العلماءُ، من أنها معتقَدُ الإمام الأشعري بما دلَّت عليه من الحقِّ والهدى الموافِقِ لكتاب الله وسنَّة نبيِّه، وفَهْم الصحابة والتابعين؛ فالخيرُ كلُّ الخير في اتِّباع من سلف، والشر كلُّ الشر في مجانبةِ الحق واتِّباع الخلَف؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115]، قال الإمام ابنُ كثير رحمه الله في تفسيره: أي: ومَن سلَك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسولُ صلى الله عليه وسلم، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عَمْدٍ منه بعدما ظهَر له الحق وتبيَّن له واتَّضح له، وقوله: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 115]: هذا ملازم للصِّفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لِما أجمعت عليه الأمَّة المحمَّدية، فيما عُلِم اتفاقُهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ، تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وقد وردت في ذلك أحاديثُ صحيحة كثيرة، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب "أحاديث الأصول"، ومِن العلماء مَن ادعى تواتر معناها، والذي عوَّل عليه الشافعي رحمه الله، في الاحتجاج على كونِ الإجماع حجَّةً تُحرِّمُ مخالفتَه هذه الآيةُ الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسنِ الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضُهم قد استشكل ذلك، واستبعد الدلالةَ منها على ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

القرآن الكريم : وورد

  القرآن الكريم :  سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِ...